منير سلطان
55
إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة
لا تأتى مرتبتها إلّا بعد مرتبة العلم ، فالانسان - عند النظام - يعلم الشيء ثم تريده نفسه ثم تقوم قدرته بتنفيذه « 1 » . إذن فالعجز ليس في القدرة الإنسانية ، ولكن في استطاعة القدرة التي منحها الإنسان ، فالمنحة التي منحها اللّه تعالى للإنسان بذلت استطاعتها ، فاستطاعت كل الأغراض ، ثم لم تستطع القرآن . وقد حاولت وجربت ففشلت ، لا لأن القرآن قديم ، ولا لأنه حكاية للقديم ، فالحكاية والأصل واحد - عند المعتزلة - بل لأن المنحة محدودة والقدرة لها نهاية ولا حيلة معها ، فهكذا أراد المانح جل وعلا . ولو زاد في العطاء لزادت القدرة في الاستطاعة ولأتى على الانسان حين من الدهر وهو للقرآن مقلد ولآياته معارض . وظني ، أن مبدأ الصّرفة نبع من المبدأ الثاني للمعتزلة وهو مبدأ العدل الإلهى وفحواه « أن العبد قادر خالق لأفعاله خيرها وشرها » « 2 » وبناء على ذلك ، فما لم يقدر عليه العبد فقد انصرف عنه لسبب ، قد يبرّر التبرير المعقول وقد يشطح معه الخيال . والصّرفة عند النظام هي انصراف أكثر منها صرفة ، ورجوع بعد شعور بالعجز أكثر منه تحويل للعجز إلى إعجاز . وإلّا لكان النظام يعترف للإنسان بالقدرة وبعدم القدرة في آن واحد . وهذا ما يريده له ابن الراوندي وأترابه من الأشاعرة . أقول - إن رأى النظام هو المحصلة التلقائية لمذهب المعتزلة في العدل الإلهي . وقد كان عقلية قوية سابقة لزمنها ، فيها - كما يقول أحمد أمين - الركنان الأساسيان اللذان سبّبا النهضة الحديثة في أوروبا وهما الشك والتجربة « 3 » . فهذا هو يرفض الاستماع إلى طائفة من المفسرين للقرآن ويحذر منهم لأنهم يجيبون في كل مسألة ويقولون بغير رواية على غير أساس ثم يذكر من يثق فيهم من المفسرين « 4 » وهو أيضا يذكر بلاغة القرآن فيما حكاه عنه تلميذه الجاحظ ، قال
--> ( 1 ) على مصطفى الغرابى - تاريخ الفرق الاسلامية 202 و 203 ط صبيح الثانية القاهرة 1958 م . ( 2 ) القاضي عبد الجبار - شرح الأصول الخمسة - 132 . ( 3 ) أحمد أمين - ضحى الاسلام - 3 / 112 . ( 4 ) الجاحظ - الحيوان 1 / 343 ط هارون .